على بُعد أيام قليلة من انطلاقة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، عاد الجدل بقوة حول واقع الإعلام الرياضي العمومي، بعد القرار الصادر عن المجلس الإداري للمجموعة الوطنية للإعلام السمعي البصري SNRT، والقاضي بإسناد التغطية الكاملة للبطولة إلى القناة الأولى بدل قناة الرياضية، بدعوى افتقار هذه الأخيرة للإمكانيات التقنية والكوادر المؤهلة لإنجاح حدث قاري بهذا الحجم.
هذا القرار لا يمكن فصله عن ما سبق أن تم التطرق إليه في مقالنا السابق، والمتعلق بالدعم المالي والتقني الذي قدمته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم للشركة الوطنية من أجل تطوير قدراتها في مجال النقل التلفزيوني والإنتاج الرياضي. دعمٌ كان يفترض أن يشكل رافعة حقيقية لتأهيل قناة الرياضية، وتمكينها من لعب دورها الطبيعي كقناة متخصصة أُنشئت لهذا الغرض بالذات.
غير أن ما كشفته الاستعدادات لكأس إفريقيا يطرح أكثر من علامة استفهام. فإذا كانت الرياضية، بعد كل هذه السنوات، وبعد كل هذا الدعم، عاجزة عن تحمل مسؤولية نقل البطولة، فإن المشكل لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح مشكلاً بنيوياً مرتبطاً بالحكامة، والتخطيط، وكيفية صرف المال العام.
منذ تأسيس قناة الرياضية، تعاقب على إدارتها عدة مسؤولين، من بينهم يونس العالمي، ثم طارق النجم، وبعده حسن بوطبصيل، دون أن ينعكس هذا التداول على تطوير حقيقي في البنية التقنية أو في تكوين الموارد البشرية. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: أين ذهبت الاستثمارات؟ ولماذا لم يتم استغلال الدعم المقدم من الجامعة لبناء منظومة إنتاج قوية ومستدامة؟
كأس إفريقيا، في هذه المرحلة، أخذت بعداً كاشفاً ومقاوِماً لكل الخطابات السابقة. فقد كشفت بوضوح محدودية الرؤية المستقبلية، وعرّت طريقة تدبير تُصرف فيها الميزانيات دون أثر ملموس، كما أظهرت أن المؤسسة لم تستثمر الزمن ولا الموارد بالشكل الذي يضمن الجاهزية عند الحاجة.
فيصل العرايشي، الذي ظل على رأس SNRT لسنوات طويلة، يتحمل مسؤولية مباشرة في هذا الوضع، ليس فقط بصفته مديراً، بل باعتباره صاحب القرار الاستراتيجي. فكيف يعقل أن يتم الإقرار اليوم بعدم جاهزية القناة الرياضية، في وقت كان من المفترض أن تكون في أوج عطائها؟ وكيف يُفهم هذا الاعتراف الضمني بالفشل بعد كل ما رُصد من دعم، سواء من المال العام أو من شراكات مع مؤسسات رياضية وطنية؟
الأخطر من ذلك أن هذه الوضعية تعكس حالة من العشوائية في التدبير، وتغذية مناخ داخلي تحكمه حسابات ضيقة، حيث تشير معطيات متداولة إلى أن العرايشي محاط بمنظّرين يسعون إلى الحفاظ على مواقعهم، حتى وإن كان الثمن هو إضعاف المؤسسة وإفراغ مشاريعها من مضمونها. وهو ما يجعل أي محاولة للإصلاح تصطدم بمقاومة داخلية تفتقر إلى الشجاعة والرؤية.
اليوم، لم تعد كأس إفريقيا مجرد تظاهرة رياضية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقيمة الحكامة داخل الإعلام العمومي. اختبار كشف أن الدعم الذي قُدم لم يُستثمر كما ينبغي، وأن غياب المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج جعل المؤسسة تصل إلى هذه اللحظة وهي غير مستعدة.
إن ما تعرّضت له قناة الرياضية خلال هذه المحطة ليس حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكمات طويلة، ويؤكد أن الإصلاح الجذري أصبح ضرورة ملحة، إذا أراد المغرب إعلاماً عمومياً رياضياً يواكب نهضته الكروية، ويكون في مستوى الثقة التي وُضعت فيه، وفي مستوى التحديات القارية والدولية المقبلة.













