بعد ستة وعشرين سنة على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، يجد الرأي العام نفسه اليوم أمام حصيلة مثيرة للقلق، في لحظة مفصلية يستعد فيها المغرب لاحتضان أكبر حدث رياضي في تاريخه، في أفق كأس العالم 2030. سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح: هل استطاعت دار البريهي أن تواكب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، أم أنها ما تزال تدور في حلقة مفرغة من التدبير المرتبك وغياب الرؤية؟
خلال سنوات طويلة من التسيير، تم خلق قنوات عمومية متعددة، لكنها للأسف لم تُبنَ على استراتيجيات تحريرية أو إنتاجية واضحة. فتمت صناعة قنوات تنافس نفسها بنفسها، وتُنتج أفلامًا ومسلسلات وبرامج تُركت حبيسة الرفوف، لأنها ببساطة لا تستوفي المعايير الفنية ولا الشروط المهنية للبث، في هدر واضح للمال العام وطاقات بشرية كان من الممكن توظيفها بشكل أفضل.
القناة الأمازيغية بدورها عرفت اختلالات بنيوية خلال فترة إشراف مديرها المركزي السابق محمد مماد، حيث غابت الحكامة الثقافية واللغوية التي أُحدثت القناة من أجلها، وضاعت فرصة تاريخية للنهوض بالإنتاج الأمازيغي وجعله رافعة حقيقية للتعدد الثقافي المغربي.
أما قناة الرياضية، التي كان من المفترض أن تكون قاطرة الإعلام الرياضي الوطني، فقد اشتغلت لسنوات طويلة دون رؤية واضحة أو مشروع تطوير حقيقي، في عهد مديرها المركزي السابق حسن بوطبصيل. قناة أُنشئت خصيصًا لمواكبة التظاهرات الكبرى، لكنها عجزت عن بلوغ الحد الأدنى من الاحترافية التقنية والتحريرية المطلوبة.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى القناة الثانية، التابعة بدورها للقطب العمومي، والتي كان يرأسها سليم الشيخ. قناة جُردت من حق مواكبة الأحداث الرياضية الكبرى بقرارات مركزية، لتحويل هذا الاختصاص حصريًا إلى قناة الرياضية، دون أن تكون هذه الأخيرة مؤهلة فعليًا لتحمل هذا العبء، لا من حيث الموارد البشرية ولا من حيث التجهيزات ولا من حيث الرؤية.
أليس من العيب، السيد فيصل العرائشي، أن يصل الإعلام العمومي إلى هذا المستوى من الضعف، في وقت يؤكد فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطبه، أن المغرب يسير بسرعتين؟ أليس من العيب أن تبقى دار البريهي خارج هذا الإيقاع الوطني المتسارع، عاجزة عن مرافقة الطموحات الكبرى للمملكة؟
لقد فشل القطب العمومي، تحت إدارته الحالية، في خلق باقة قنوات منسجمة، لكل واحدة منها هوية واضحة، ودور محدد، واستراتيجية إنتاج وتوزيع فعالة. فبدل التكامل، ساد التنافر؛ وبدل التخطيط، حضرت الارتجالية؛ وبدل الاستثمار في الكفاءات، استمر منطق التدبير الإداري البارد.
اليوم، ومع اقتراب استحقاقات رياضية عالمية، لم يعد مقبولًا استمرار هذا العبث. الإعلام العمومي ليس ترفًا، بل أداة سيادية وصورة وطن، ومرآة تعكس دينامية بلد اختار التقدم بثبات.
كفى من العبث.
فالمغرب أكبر من إعلام عمومي يشتغل بعقلية الأمس، في زمن لا ينتظر المترددين.













