منذ انطلاق كأس أفريقيا 2025 على أرض المغرب، تغيّر منسوب المتابعة الخارجية، خصوصًا في الصحافة الفرنسية، من الاكتفاء بتوصيف “الأسود” كمرشح قوي، إلى طرح سؤال أكثر حدّة: هل أصبحت هذه البطولة، بما تحمله من ضغط التنظيم والجمهور وتوقعات اللقب، امتحانًا مباشرًا لاستمرار وليد الركراكي؟
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ. فالمغرب يدخل المنافسة بسقفٍ مرتفع، وبصورةٍ صنعتها نتائج السنوات الأخيرة، وبجمهور لا يقبل أن تُدار البطولة بمنطق “المسار الجيد” فقط. ومع أول تعثر أمام مالي بنتيجة التعادل، خرجت عناوين فرنسية تُلوّح بفكرة “نهاية مرحلة” أكثر مما تناقش تفاصيل مباراة داخل دور المجموعات.
التعادل أمام مالي لم يُقرأ كرقم عابر، بل كإشارة ضغط. لأنه جاء في لحظة كان الشارع الرياضي ينتظر تثبيت الانطلاقة لا فتح النقاش من جديد. وفي بطولات مثل هذه، يصبح التعادل مادة جاهزة للتأويل: هل المشكلة في الاختيارات؟ في القراءة التكتيكية؟ أم في القدرة على تدبير مباريات تُفرض فيها السيطرة دون ارتباك، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمنتخب يلعب في الديار وتحت الأضواء؟
وتُضيف الصحافة الفرنسية إلى هذا النقاش زاوية أخرى: زاوية “البلد المنظم”. فحين تكون أنت المستضيف، تتحول الهوامش إلى صفر تقريبًا. لا يكفي أن تفوز؛ بل يُطلب أن تُقنع، وأن تُظهر ثباتًا ذهنيًا، وأن تُقدّم شخصية فريق بطل منذ الأسبوع الأول. لذلك، تُقدَّم “كان 2025” في هذا الخطاب كاستفتاء على المشروع بأكمله، والمدرب هو العنوان الأسهل والأسرع.
اللافت أيضًا أن جزءًا من هذا التصعيد يتغذى من تفاصيل صغيرة تتحول داخل البطولة إلى مؤشرات كبيرة: غيابات، شائعات إصابات، اختيارات تحفظية، أو تذبذب في الإيقاع بين شوط وآخر. في منطق الإعلام، هذه التفاصيل لا تُترك في الهامش، بل تُرصّف لتكوين سردية جاهزة: “المنتخب تحت الضغط… والمدرب على المحك”.
لكن، بعيدًا عن العناوين الساخنة، يبقى الواقع أكثر تعقيدًا. بطولة كأس أفريقيا لا تُحسم في مباراة واحدة، والمسار قد يتغير في تسعين دقيقة تالية. ومع ذلك، ما لا يمكن إنكاره أن التعادل أمام مالي حرّك مياهًا كانت تبدو هادئة، وفتح الباب أمام خطاب فرنسي حادّ يراهن على فكرة أن المغرب لا يملك ترف الوقت، وأن أي تعثر كبير قد يسرّع طرح أسئلة ثقيلة حول القيادة التقنية.
في النهاية، ليس سؤال المرحلة هو “ماذا قالت الصحافة الفرنسية؟” بقدر ما هو: كيف سيردّ المنتخب داخل الملعب؟ لأن الإجابة الوحيدة التي تُسكت العناوين ليست البلاغة ولا التبرير، بل الانتصارات مع أداء يُطمئن، ويمنح المشروع شرعية اللقب لا شرعية “المحاولة”.













