الفيلودروم كان لسنوات طويلة ذاكرة رياضية خالصة في قلب الدار البيضاء مكانٌ تألقت فوق مضمارِه الدراجة المغربية وشهدت مدرجاته لحظات مجدٍ صنعت أسماءً وكتبت تاريخاً محلياً لا ينسى غير أن المدينة اليوم تعود لتتحدث عن الفيلودروم ليس باعتباره رمزا للرياضة فقط بل باعتباره عنوانا كبيرا لسؤال الحكامة وكيف يتحول الفضاء العمومي من ملك مشترك إلى امتياز خاص
التحول الذي عرفه المكان من فضاء رياضي بامتياز إلى فضاء مفتوح بواجهات ترفيهية وتجارية قد يبدو طبيعيا ضمن منطق التأهيل الحضري الذي تحتاجه المدن الكبرى لكن الجدل يبدأ حين يصبح الاستغلال موضوعا غامضا لا أحد يفهم حدوده ولا شروطه ولا مدته وحين تنتشر روايات تؤكد أن الفضاء بات عمليا تحت نفوذ شخصية بارزة في عالم الإنتاج مقربة من دوائر تتحرك بحرية في المدينة وأن الاستغلال لم يتوقف عند تدبير الموقع بل امتد إلى المقاهي والخدمات الموجودة داخله بما يوحي وكأن الأمر لم يعد رخصة مؤقتة أو تفويضا محددا بل سيطرة بحكم الواقع
السؤال الذي يطرحه البيضاويون هنا ليس موجها ضد الاستثمار ولا ضد إعادة الاعتبار للمرافق القديمة بل هو سؤال بسيط وواضح كيف تمت المناقصة وكيف تم الإعلان عنها ومن هي الجهات التي تنافست على تدبير هذا الفضاء وما المعايير التي اعتمدت في الانتقاء وما قيمة المقابل المالي الذي يعود على المدينة مقابل استغلال فضاء عمومي في موقع حساس وما حجم الالتزامات المفروضة على المستغل في ما يتعلق بالصيانة والنظافة والسلامة والولوج المفتوح للعموم وما الضمانات التي تمنع تحول المكان إلى مجال شبه خاص يضيق على المواطنين لصالح النشاط التجاري
الأخطر من كل ذلك أن الغموض لا يقتصر على الفيلودروم وحده بل يأتي ضمن سياق أوسع عادت فيه المدينة لتناقش ملف مناطق المشجعين والفضاءات التي أنشئت تحت عناوين الترويج لكرة القدم الوطنية والموروث الثقافي ثم تحولت إلى مساحات قابلة للتمديد والاستمرار وكأنها إرث يمنح لفئة بعينها بدل أن تكون مشروعا عموميا يخضع للتداول والمنافسة والقياس والمحاسبة وحين تلتقي أموال التظاهرات الكبرى مع عقود الاستغلال ومع شبكات القرب السياسي أو الاقتصادي يصبح المجال العمومي الحلقة الأضعف وتصبح الثقة في المؤسسات أول ضحية
الدار البيضاء مقبلة على رهانات أكبر واستحقاقات أضخم في أفق السنوات المقبلة وكل ما يرتبط بتنظيم التظاهرات الكبرى سيعيد طرح السؤال نفسه بقوة من يستفيد من المدينة وكيف ولماذا وإذا كان الفضاء العمومي يتحول اليوم إلى امتيازات غير مفهومة فماذا سيقع عندما ترتفع قيمة المواقع وتكبر الميزانيات وتتضاعف فرص الاستثمار المؤقت المرتبط بالبطولات العالمية
المطلوب ليس حملة تشهير ولا محاكمة نوايا المطلوب فقط وضوح يضع حدا للإشاعة ويعيد الاعتبار للثقة نشر معطيات المناقصة إن وجدت نشر طبيعة العقد ومدته وشروطه وقيمته المالية نشر معايير الانتقاء وأسماء المتنافسين ونشر تقرير يوضح ما الذي ربحته المدينة مقابل ما مُنح من حقوق استغلال لأن الفيلودروم ليس مجرد بقعة أرض ولا عنوانا على الخريطة إنه ذاكرة مدينة وحين تُدار الذاكرة بمنطق الامتياز تصبح المدينة كلها مهددة بأن تفقد معنى الملك المشترك
وإذا كان الهدف من التأهيل هو أن يعود المكان للناس فينبغي أن يعود لهم فعلا لا أن يعود باسمهم بينما تديره قلة بلا شفافية وإذا كانت المقاهي والخدمات جزءا من مشروع تهيئة فلتكن كذلك ضمن مشروع يحترم حق المدينة في مواردها ويحترم حق المواطنين في معرفة كيف يدار ما هو لهم لأن الفضاء العمومي لا يُورث ولا يُستحوذ عليه الفضاء العمومي يُدبّر بعقد واضح وبمدة واضحة وبمقابل واضح وبمراقبة واضحة وعندها فقط يمكن أن يتحول الفيلودروم من سؤالٍ مُحرج إلى قصة نجاح حضرية تليق بالدار البيضاء وبذاكرتها الرياضية.













