في خضم كأس إفريقيا التي تعيشها الملاعب المغربية على إيقاع الحماس والفرجة، يعود سؤال قديم جديد إلى الواجهة: لماذا تظل القناة الأمازيغية خارج نبض الحدث الرياضي، وكأن جمهورها مدعو للاكتفاء بالمسلسلات والأفلام والسهرات المصورة بمختلف اللهجات الأمازيغية، بينما تُسحب منه واحدة من أكثر لحظات الوطن كثافة في الانتماء والمشاعر؟
المفارقة أن الأمازيغ، كمغاربة، لا يحتاجون إلى شهادة وطنية من أحد. هم قلب هذا البلد مثل غيرهم، يحملون نفس الروح الوطنية ونفس الشغف بالمنتخب ونفس الفخر حين يرفرف العلم وتتعالى الهتافات. لكن الذي يحدث على مستوى البرمجة يوحي بأن الرياضة ليست ضمن “أولويات” هذه القناة، أو أنها تُعامل كملف ثانوي يمكن تأجيله إلى ما بعد، في وقت يُفترض فيه أن تكون الخدمة العمومية هي أول من يلتقط نبض الشارع ويترجمه إلى محتوى يحترم كل المكونات اللغوية والثقافية للمملكة.
وإذا كان القطب العمومي يتوفر على إمكانيات ضخمة من معدات واستوديوهات وأطر تقنية ومحللين، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: لماذا لا يصل هذا “الثراء” إلى القناة الأمازيغية في شكل برامج رياضية ثابتة واحترافية؟ لماذا لا نرى استوديوهات تحليلية بالأمازيغية تواكب مباريات المنتخب والمنتخبات الإفريقية، وتقدم قراءة فنية وهادئة بلغات المواطن اليومية؟ ولماذا يُترك جمهور واسع—يشكل جزءًا كبيرًا من جمهور كرة القدم—خارج دائرة التغطية التي تمنحه الإحساس بأنه حاضر ومُمثل داخل إعلامه العمومي؟
الحديث هنا ليس عن “منّة” ولا عن ترف. الرياضة في المغرب ليست مجرد مباراة؛ هي لحظة هوية جماعية، وفضاء تلتقي فيه الجهات واللهجات والطبقات. وحين تُحرم القناة الأمازيغية من برامج رياضية منتظمة في قلب كأس إفريقيا، فإن الرسالة غير المعلنة تصبح مؤلمة: كأن هناك من يرى أن هذا الجمهور يكفيه الترفيه، وأن حقه في التحليل والشرح والتفاعل بلغته يمكن تأجيله أو تعويضه بقنوات أخرى.
الأكثر من ذلك أن غياب البرامج الرياضية بالأمازيغية لا يضر فقط بمبدأ الإنصاف، بل يضيع فرصة ذهبية لتطوير خطاب رياضي متجدد، يُقرب كرة القدم من الجمهور، ويمنح مساحة للحديث عن مواهب المناطق، وعن قصص اللاعبين، وعن الأندية، وعن الرياضات التي تعيش في الظل. إنها فرصة لصناعة نجوم إعلاميين جدد، وتعزيز حضور اللغة الأمازيغية في مجال جماهيري واسع، بدل حصرها في قوالب جاهزة لا تعكس تنوعها ولا طاقتها.
ما يحتاجه الجمهور اليوم واضح وبسيط: برنامج رياضي أسبوعي قوي بالأمازيغية، استوديوهات تحليلية في المباريات الكبرى، روبورتاجات من الملاعب ومن المدن المستضيفة، وبورتريهات للاعبين والمشجعين وقصص إنسانية تصنعها البطولة. هذه ليست مطالب مستحيلة، بل قرار برامجي وشجاعة مؤسساتية في توزيع الإنصاف داخل الإعلام العمومي.
في خضم كأس إفريقيا، حيث ينشد الجميع وحدة الصف ودفء الانتماء، يصبح من غير المقبول أن تبقى قناة وطنية تُخاطب ملايين المغاربة بعيدة عن أكبر لحظة رياضية يعيشها الوطن. لأن الإنصاف الإعلامي ليس تفصيلًا تقنيًا… بل هو عنوان ثقة، ورسالة احترام، واعتراف عملي بأن كل المغاربة—بكل لغاتهم—يستحقون أن يعيشوا الفرح نفسه… على الشاشة نفسها.













