قد يبدو العيناوي في بعض اللقطات مجهدًا، وقد يظن المتابع لأول وهلة أن طاقته أوشكت على النفاد، لكن الحقيقة أعمق بكثير من صورة عابرة أو لقطة تلفزيونية. العيناوي أنهى 120 دقيقة كاملة وهو حاضر ذهنيًا وبدنيًا، بنفس التركيز والانضباط، وكأنه يلعب الدقيقة الأولى لا الأخيرة.
في إيطاليا، هناك فكرة شهيرة طالما رافقت أسماء كبيرة، وعلى رأسها أندريا بيرلو: لاعب نشأ في بيئة مستقرة، داخل عائلة ميسورة، ما منحه برودة أعصاب نادرة، كرة تُلعب بعقل هادئ، وقرارات تُتخذ بلا خوف من الغد ولا ضغط المستقبل.
العيناوي هو إسقاط واضح لهذه الفلسفة… لكن بنكهة مغربية خالصة.
نشأ وسط عائلة رياضية، في محيط متوازن، فاكتسب تلك البرودة الذهنية التي لا تُدرّس في الأكاديميات. برودة جعلته يصمد في المواعيد الكبرى، ويزدهر حين ينهار غيره. أمام نيجيريا، العيناوي لم يخض مباراة عادية، بل قاد حرب وسط ميدان حقيقية امتدت لـ120 دقيقة، وأكد ذلك بالأرقام قبل الانطباعات.
لعب المباراة كاملة، وقطع حوالي 13.5 كيلومترًا، من أعلى الأرقام داخل المنتخب. تدخل دفاعيًا بنجاح 9 مرات، قطع 6 كرات، واعترض 4 تمريرات خطيرة. دخل 14 التحامًا ثنائيًا وربح 9 منها، مع دقة تمرير قاربت 87%، وتمريرات للأمام تحت الضغط حافظت على إيقاع الفريق ومنعته من السقوط في الفوضى. الأهم؟ أخطاء تكتيكية شبه منعدمة، بلا تهور، وبلا فقدان للتركيز حتى في الأشواط الإضافية.
في كل سقطة لوسط الميدان، في كل تمريرة خاطئة، في كل كرة ضائعة… كان العيناوي أول من يصلح، أول من يقطع، وأول من يسترجع التوازن. حرث ملعب الرباط حرفيًا، قدماه وطأتا كل سنتمتر، وحوّل المستطيل الأخضر إلى حلبة معارك كان فيها جنديًا صامتًا، لكنه حاسم في كل تفصيل.
صحيح أن البطولات تُربح بالحراس الكبار وبالفنانين الذين يخطفون الأضواء، لكنها تُحسم أكثر بجنود الخفاء. أولئك الذين لا يتصدرون العناوين، لكن الألقاب تعرف قيمتهم جيدًا. العيناوي واحد من هؤلاء.
كان انتدابًا ذكيًا وثقيل الوزن في “ميركاتو المنتخبات”، واليوم يجني المنتخب المغربي ثمار قرار يُحسب من بين الأفضل في فترة وليد الركراكي. لاعب لا يصرخ، لا يشتكي، لا يطلب التصفيق… فقط يشتغل، وعندما تنتهي المعركة، تكتشف أنه كان قلبها النابض.
عبد الله بنصاك













