إذا كانت البرمجة جيدة والتحكيم ممتازاً والظروف مثالية كما أجمع كثيرون فإن الهزيمة لا تعود إلى عوامل خارجية سهلة بل تُعيدنا إلى سؤال أعمق يتعلق بالمناخ العام الذي رافق المنتخب داخل القارة وهل واجه المغرب خلال هذه الدورة جداراً نفسياً ومعنوياً صنعته بعض المنتخبات المنافسة إما بدافع الغيرة من صعوده السريع أو بسبب الذهول الذي خلّفته دورة استثنائية رفعت السقف وأربكت حسابات كانت معتادة على توازنات أخرى
المغرب دخل البطولة وهو يحمل صورة منتخب عالمي لا منتخب قاري فقط إنجازات كبيرة حضور قوي نجوم في أكبر الدوريات ومشروع كروي صار يُقدَّم كنموذج داخل إفريقيا هذا التحول لا يُنتج فقط احتراماً بل يُنتج كذلك حساسية وخصومة رياضية طبيعية عند منافسين يرون أن صعود المغرب يهدد رمزية تاريخية أو نفوذاً معنوياً داخل القارة لذلك كان واضحاً أن كثيراً من المنتخبات تعاملت مع مواجهة المغرب كأنها نهائي مستقل مباراة العمر وفرصة لإسقاط المرشح الذي يتحدث عنه الجميع
هذا المعطى يفسر كيف تحولت بعض المباريات إلى صراع بدني ونفسي أكثر منه تنافساً تقنياً ضغط كبير التحام قوي تشنج في الإيقاع وإصرار على إغلاق المساحات بأقصى درجات الانضباط لأن الخصم أمام المغرب لا يبحث فقط عن التأهل بل عن رسالة مفادها أننا قادرون على إسقاط النموذج الذي يُحتفى به وتقديمه كدرس لكل من ظن أن طريق التتويج مفروش بالإشادة
أما الذهول الذي عرفته الدورة فهو عنصر لا يقل أهمية حين تكون الظروف مثالية والتنظيم قوياً والإشعاع كبيراً تصبح البطولة تحت الأضواء ويصبح كل منتخب حريصاً على أن يترك بصمته في نسخة تاريخية وهذا يرفع مستوى الحدة والتنافس ويجعل كل مواجهة أمام المرشح الكبير فرصة للظهور وتغيير الصورة وإثبات الذات لذلك بدا أن بعض المنتخبات لعبت أمام المغرب بطاقة إضافية وبنزعة تحدٍ أكبر من مباريات أخرى
وسط هذا المناخ كان المطلوب من المنتخب المغربي أن يكون أكثر براغماتية وأكثر قسوة في الحسم لأنك عندما تصبح الهدف لا يكفي أن تلعب كرة جميلة أو أن تسيطر على الكرة بل يجب أن تقتل المباراة في أول فرصة وأن تدير لحظات الضغط بذكاء وأن تمتلك خططاً متعددة للخروج من الفخ التكتيكي والبدني الذي يُنصب للمرشح الأبرز
الخلاصة أن القول بأن بعض الفرق كانت ضد المغرب ليس اتهاماً ولا تهرباً من المسؤولية بل قراءة لمعادلة أصبحت واقعا في إفريقيا المغرب صار رقماً مزعجاً للبعض ومُلهمًا للبعض الآخر وفي الحالتين ستُواجهه المنتخبات بأقصى طاقتها لذلك فإن التتويج القاري القادم لن يُنتزع فقط بالنجوم والإمكانات بل بعقلية المنتصر الذي يعرف أنه تحت الضغط القاري فيُحوّل هذا الضغط إلى وقود لا إلى عبء.













