المؤلم في خسارة المنتخب الوطني المغربي في كأس إفريقيا ليس فقط الإقصاء داخل الملعب بل ما تلاه خارج المستطيل الأخضر من مشاهد واستفزازات زادت الجرح اتساعاً حين خرجت أصوات في بعض البلدان تهتف فرحاً بسقوط المغرب وللمفارقة لم يكن الأمر محصوراً في جماهير إفريقية جاءت ضيفة على المغرب بل امتد أيضاً إلى بعض الجماهير العربية والمغاربية التي احتفلت في بلدانها بهزيمة منتخب يُفترض أنه “قريب” في اللغة والدين والجغرافيا وحتى في المصير
في كرة القدم من حق أي جمهور أن يفرح بانتصاره وأن يعبّر عن حماسه لكن ما يحدث عندما يصبح الفرح مرتبطاً فقط بخسارة الآخر لا بفوزك أنت فهذا ليس تشجيعاً بل شماتة والشماتة في النهاية تكشف أزمة ثقافة رياضية قبل أن تكشف موقفاً من منتخب بعينه لأن الاحتفال بسقوط المنافس يختزل اللعبة في تصفية حسابات نفسية لا في روح تنافس شريف
لماذا إذن فرح البعض بهزيمة المغرب؟ هناك أكثر من تفسير يتداخل فيه الرياضي بالرمزي أولها الغيرة من صعود المغرب الكروي في السنوات الأخيرة من منتخب كان يبحث عن الاعتراف إلى منتخب أصبح رقماً عالمياً وواجهة عربية وإفريقية في المونديال هذا التحول خلق لدى البعض شعوراً بأن المغرب “تجاوز السقف” أو “أخذ المساحة الإعلامية” فصار أي تعثر فرصة للعودة إلى التوازن عبر السخرية والتقليل
وثانيها أثر السوشيال ميديا التي ضاعفت الحساسية بين الجماهير وصنعت حرب “ترندات” بدل منافسة رياضية محترمة فبعض الحسابات تتغذى على الاستفزاز المتبادل وتحوّل كل مباراة إلى معركة هويات واتهامات وتعميمات وعندما يخسر فريق كبير يصبح ذلك مادة جاهزة للاستهلاك السريع لا للتعاطف أو الاحترام
وثالثها أن جزءاً من هذا السلوك لا علاقة له بالمغرب كبلد ولا بالمغاربة كشعب بل هو انعكاس لذهنية ترى في نجاح الآخر تهديداً لنجاحها الشخصي بدل أن تعتبره مكسباً جماعياً في فضاء عربي مغاربي يفترض أن يدعم رموزه القوية لا أن ينتظر سقوطها
لكن وسط هذا كله ينبغي أن نكون منصفين الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية والمغاربية لا تُقاس بتصرفات فئات صغيرة لأن في المقابل كانت هناك أصوات كثيرة احترمت المغرب وقدّرت تنظيمه واستضافته وعبّرت عن تضامنها الرياضي حتى وهي سعيدة بفوز منتخبها أو بخروج منافسها وهذا هو السلوك الطبيعي الذي يليق بالرياضة
الخلاصة أن خسارة المغرب كشفت حقيقة موجعة ليست في الملعب فقط بل في ثقافة بعض الجماهير التي ما زالت تعتبر نجاح الجار استفزازاً بدل أن تعتبره فرصة لرفع مستوى المنطقة كلها والمغرب عندما يستضيف ويؤمّن ويرحّب لا يطلب مقابلاً سوى الاحترام لأن المنافسة تنتهي مع صافرة الحكم أما الأخلاق فهي التي تبقى بعد النهاية.













