في وقت يثمّن فيه الجميع ما قام به المكتب المديري من مجهودات واضحة للنهوض بالفريق، والرفع من مستوى التنظيم والاحتراف، وتوفير شروط تجعل النادي في مصاف الكبار قارياً وعربياً، يطفو إلى السطح سؤال مقلق: ما الذي يحدث داخل مستودع ملابس الوداد الرياضي حتى تصبح تفاصيل “التنقل” و“السفر” حديث الشارع الرياضي أكثر من الحديث عن الأداء والنتائج؟
ولكي يكون النقاش منصفاً، لا بد من التنويه بالمكتب المديري الذي يشتغل، بكل مكوناته، على مشروع واضح هدفه إعادة الوداد إلى المكانة التي تليق بتاريخه وجمهوره، والسعي إلى إسعاد الأنصار عبر تحسين شروط العمل، وتوفير الإمكانيات، وتدعيم التركيبة البشرية، ورفع سقف الطموح، حتى يكون النادي بين كبار إفريقيا والعالم العربي، وبصورة تقترب من المعايير العالمية في التسيير والاحتراف. هذا المجهود لا يمكن أن يُختزل في جدل عابر، ولا أن يُقابل بالتشكيك كلما ظهرت تفاصيل قابلة للتأويل.
المثير للانتباه أن لاعباً كبيراً بخبرة عالمية بات يفضّل، في تنقلات الفريق داخل المغرب، أن يسافر بعيداً عن المجموعة عبر ترتيبات VIP منفصلة، بل وتواترت أحاديث عن كواليس سفر بعثة الفريق إلى لوموباشي: هل الأمر مرتبط برغبة في السفر بطائرة خاصة؟ أم رفض السفر مع البعثة عبر خط عادي؟ أم أن هناك أسباباً أخرى لم تُوضَّح للرأي العام ولا حتى للمحيط الودادي؟
هنا بالضبط تبدأ خطورة الموضوع. ليس لأن “الرفاهية” في حد ذاتها جريمة، ولا لأن لاعباً كبيراً لا يحق له أن يطلب شروطاً مريحة، بل لأن فريقاً يسعى إلى الاحتراف الحقيقي لا يمكن أن يسمح بتحوّل القواعد إلى استثناءات، ولا أن يترك باب التأويل مفتوحاً أمام الجمهور. الاحتراف ليس فقط في التعاقدات والأرقام والانتدابات، بل في الانضباط، وفي وحدة المجموعة، وفي إحساس الجميع بأن القانون واحد على الجميع، وأن المدرب هو صاحب القرار الفني والانضباطي داخل الفريق.
لكن في خضم هذا الجدل، تبرز رواية أخرى—أكثر حساسية—تُسندها معطيات متداولة من داخل النادي، تفيد بأن المدرب نفسه هو من طلب من اللاعب عدم مرافقة البعثة إلى بعض المحطات الإفريقية، ليس “تمرداً” من اللاعب ولا “مزاجاً” منه، بل خوفاً على قدميه من مخاطر الإصابة في ملاعب توصف بأنها صعبة وظروفها قاسية داخل بعض المحطات الإفريقية. وهي رواية، إن صحت، تقلب زاوية النظر رأساً على عقب: من نقاش حول الانضباط إلى نقاش حول تدبير المخاطر وحماية رصيد تقني يُعوّل عليه النادي.
غير أن إدخال هذا المعطى، مهما كانت وجاهته، يفتح باباً آخر من الأسئلة: إذا كان القرار تقنياً ووقائياً من المدرب، فلماذا لم يتم تدبيره بتواصل داخلي أكثر صرامة حتى لا يتحول إلى مادة للتأويل؟ ولماذا لا يصدر حدّ أدنى من توضيح يقطع الطريق على الإشاعة؟ لأن ترك الأمور تخرج إلى العلن بهذه الصورة يضر بثلاث جهات في وقت واحد: اللاعب، لأنه يُقدَّم للرأي العام وكأنه “يختار” و“يفرض شروطه”؛ والمدرب، لأن قراره يُقرأ كتنازل أو ضعف؛ والإدارة، لأنها تظهر وكأنها عاجزة عن ضبط التفاصيل.
ثم إن الحماية الطبية والوقائية للاعبين أمر معمول به في أكبر الأندية العالمية، لكن الفرق أن تلك الأندية تُلبس القرار لباسه الصحيح: قرار طبي/تقني مؤطر، وليس استثناء شخصياً. أما حين يُترك الموضوع بلا إطار، يصبح كل شيء قابلاً للتأويل: “حافلة خاصة”، “طائرة خاصة”، “رفض السفر”، بينما قد يكون الأمر في الأصل خطة احترازية لتفادي المخاطر.
السؤال الذي يطرحه الشارع الودادي بوضوح يبقى قائماً: لو كان هذا اللاعب يمارس داخل نادٍ أوروبي كبير، هل كان النقاش سيأخذ هذا المنحى؟ الأندية الكبرى تحمي لاعبيها نعم، لكنها تحمي أيضاً صورة الانضباط، وتُدير التفاصيل بصرامة حتى لا تتسرّب بالشكل الذي يهزّ تماسك المجموعة.
الوداد اليوم في مرحلة تحتاج إلى الهدوء، وإلى تماسك داخلي، وإلى احترام تام لهيبة القميص. لأن الفريق الذي يريد أن يكون عالمياً لا يربح فقط في الملعب، بل يربح أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورة الكبار: وحدة القرار، وحدة الرسالة، وضبط ما يحدث داخل غرفة الملابس قبل أن يتحول إلى جدل عمومي.
وإذا كان المكتب المديري قد قدم الكثير لبناء مشروع كبير، فإن استكمال هذا المشروع يمر عبر نقطة واحدة لا تقبل المجاملة: النظام فوق الجميع، والتواصل الداخلي يجب أن يكون في مستوى طموح النادي… حتى لا يتحول مجهود سنوات إلى جدل حول “من سافر ومن لم يسافر”، بدل أن يكون النقاش حول الأداء، والنتائج، والألقاب.













