مع اقتراب موعد كأس إفريقيا للأمم 2025، يجد المغرب نفسه أمام اختبار حقيقي لا يتعلق بالبنية التحتية الرياضية أو الجاهزية التنظيمية، بل بقطاع حيوي يمثل واجهة البلاد أمام العالم: النقل التلفزيوني. ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها المملكة في تنظيم تظاهرات دولية خلال السنوات الأخيرة، فإن المنظومة السمعية البصرية الوطنية تعيش وضعاً مُقلقاً، جعل السؤال يفرض نفسه بقوة: كيف وصلت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون إلى هذا المستوى من العجز، رغم أنها تحت قيادة فيصل العرايشي لأكثر من 25 سنة ورغم الميزانيات الضخمة التي رُصدت لها؟
تعود بداية الإشكال إلى اللحظة التي أعلنت فيها الشركة الوطنية قدرتها على تغطية سبعة ملاعب مخصصة للبطولة. لكن مع توسّع لائحة الملاعب إلى تسعة، بعد اجتماعات تقنية بين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والاتحاد الإفريقي، ظهرت فجوة كبيرة بين تصريحات المؤسسة وقدراتها الفعلية. فالشركة لم تستطع سوى تغطية أربعة ملاعب فقط، وهو رقم بعيد جداً عن التزاماتها المعلنة. هذا العجز يعود لأسباب تقنية خطيرة، أبرزها أن الخبراء الأجانب الذين فحصوا الوحدات المتنقلة الجديدة التي اقتنتها الشركة الوطنية أكدوا أنها غير مطابقة للمعايير الدولية المعمول بها في تنظيم تظاهرات كروية كبيرة، مما أدى إلى رفض استخدامها.
ورغم أن الجامعة الملكية دعمت الشركة الوطنية بما يفوق 50 مليار سنتيم لرفع جاهزيتها، إلا أن السؤال الجوهري اليوم هو: أين ذهبت هذه الميزانية، ولماذا لم تنعكس على التطور التقني؟ الوثائق الرسمية المنشورة في بوابة الصفقات العمومية تزيد الصورة وضوحاً. ففي طلب العروض رقم 66AOM/SNRT/2025 الخاص بكراء وحدات إنتاج متنقلة، لم تُقبل سوى عروض شركات أجنبية من إيطاليا والبرتغال، بينما تم رفض جميع الشركات المغربية تقنياً. وقد جاءت نتائج دفتر ملعب فاس كالتالي:
VIDEE SPA (إيطاليا): مقبولة – العرض الأول
MEDIA LUSO (البرتغال): مقبولة – العرض الثاني
TV.FILM SOLUTION (المغرب): مرفوضة
AMG EVENT & PROD (المغرب): مرفوضة
هذه النتائج تُبرز بوضوح أن الصناعة الوطنية لم تُواكب التطور، وأن الاستثمار لم ينعكس على مستوى المعدات ولا على مستوى التكوين.
المفارقة الكبرى أنّ الشركة الوطنية قامت خلال السنوات الماضية باقتناء معدات بمبالغ ضخمة تُقدّر بمئات الملايين، لكن جزءاً كبيراً منها لم يُستخدم قط، وبعضها تعرض للتلف داخل مخازن تمارة بسبب سوء التخزين أو عدم مطابقة التجهيزات للمواصفات. وهذا يعيد فتح سؤال المسؤولية داخل المؤسسة: كيف تُشترى معدات جديدة لا تستجيب للمعايير؟ ومن صادق على هذه الصفقات؟ ولماذا لم يتم استثمارها في تكوين الأطر المغربية؟
ورغم أن المغرب يتوفر على كفاءات تقنية محترفة، إلا أنها لم تُمنح الفرصة. مثال صارخ يظهر خلال افتتاح مركب مولاي عبد الله: وفرت الشركة الوطنية أكثر من 24 كاميرا، لكن البث المباشر استعمل ست كاميرات فقط، وهو ما يعكس غياب رؤية واضحة لتطوير الموارد البشرية واستغلال المعدات المتاحة. إضافة إلى ذلك، حُرمت الشركات المغربية من فرصة التطوير والتأهيل، في الوقت الذي كان فيه بإمكان الشركة الوطنية الاستثمار في هذه المؤسسات المحلية، بدل الاعتماد شبه الكامل على الشركات الأجنبية.
كأس إفريقيا 2025 كانت يمكن أن تشكل فرصة ذهبية لتطوير الصناعة السمعية البصرية المغربية، من خلال نقل التكنولوجيا، تأهيل التقنيين، دعم الشركات الوطنية، وتحديث الوحدات المتنقلة. لكن غياب حكامة صارمة، وسوء توظيف الميزانيات، وعدم تنظيم عمليات الاقتناء والتكوين بشكل مدروس جعل المغرب أمام وضعية غير مريحة، أخّرت تقدّم هذا القطاع الحيوي.
ورغم كل ذلك، يبقى المغرب قادراً على تصحيح المسار. فالنجاحات التنظيمية التي يحققها في الملاعب والبنية التحتية والمرافق تُظهر أن الإرادة موجودة. ما ينقص هو إصلاح هيكلي عميق داخل المنظومة السمعية البصرية، يبدأ بإعادة النظر في طريقة تدبير المعدات، ومراقبة الصفقات، وتأهيل الأطر الوطنية، وبناء شراكات حقيقية تُنتج صناعة قوية قادرة على مواكبة طموحات المغرب القارية والعالمية













