في الوقت الذي كانت فيه جماهير كرة القدم المغربية تنتظر بشغف كبير متابعة المنتخب الوطني في كأس العرب قطر 2025، وجد ملايين المشاهدين أنفسهم أمام مشهد صادم: تلفزيون فيصل العرايشي خارج المنافسة، غائب تماماً عن نقل المباريات، صامت بلا تفسير، وعاجز عن أداء أهم وظيفة يفترض أن تقوم بها مؤسسة عمومية ممولة من أموال دافعي الضرائب. هذا الغياب الفاضح فجّر موجة غضب واسعة، وفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول كفاءة الإدارة، وشفافية اتخاذ القرار، وقدرة الإعلام العمومي على مواكبة الأحداث الرياضية الكبرى.
الصدمة لم تكن فقط في عدم نقل مباريات المنتخب، بل في غياب أي تواصل رسمي مع الرأي العام، كأن الأمر لا يعني القناة ولا مسؤوليها. فبينما تنجح قنوات عربية أخرى في ضمان حقوق البث بكل سلاسة، وجد التلفزيون المغربي نفسه خارج اللعبة، غير قادر على تأمين حق بسيط للجمهور: مشاهدة منتخب بلده في بطولة إقليمية مهمة. هذا الإخفاق لا يمكن تصنيفه كحادث عابر، بل هو امتداد لمسلسل مستمر من الارتباك وسوء التقدير في تدبير الحقوق الرياضية داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
فيصل العرائشي، الذي يقود المؤسسة منذ سنوات طويلة، يجد نفسه اليوم في eye of the storm أمام فشل جديد يضاف إلى ملفات سابقة: مشاكل نقل مباريات البطولة الاحترافية، وحدات بث غير مطورة، أعطال تقنية متكررة، صفقات غير واضحة، وتسجيل تأخر حاد مقارنة بباقي التلفزيونات العربية في مجال نقل الرياضة. ومع كأس العرب، يتكرر المشهد ذاته: غياب، ارتباك، وصمت رسمي يزيد من إحباط الجمهور.
النتيجة كانت واحدة: الجمهور المغربي خاسر أكبر، محروم من متابعة منتخب بلاده على شاشة وطنية يفترض أنها تمثل الجميع. ملايين المشاهدين وجدوا أنفسهم يبحثون عن روابط بث، يتنقلون بين قنوات أجنبية، أو يتابعون عبر تطبيقات غير رسمية، بينما التلفزيون العمومي يقف متفرجاً، بعيداً عن الحدث. هذا الوضع لا يمس فقط حق الجمهور في المتابعة، بل يسيء لصورة المغرب الإعلامية ويطرح أسئلة مشروعة حول جدوى ميزانيات ضخمة تُصرف دون أثر واضح على مستوى الخدمة.
غياب التلفزيون عن حدث بحجم كأس العرب يكشف أكثر من مجرد فشل في التفاوض على حقوق البث، بل يعكس غياب استراتيجية واضحة داخل المؤسسة. فالتعامل مع حقوق النقل يحتاج خبرة، سرعة، علاقات قوية، وتخطيطاً استباقياً، وليس ردود فعل متأخرة أو اعتماداً على الصدف. كما يبرز غياب إدارة رياضية متمكنة قادرة على قراءة السوق والتفاوض بذكاء، بعيداً عن أسلوب التبرير والتبرؤ من المسؤولية.
اليوم، ما يطالب به الجمهور ليس فقط بث المباريات، بل محاسبة من تسبب في هذه الانتكاسة التنظيمية والإعلامية. المؤسسة الإعلامية العمومية ليست ملكاً لأشخاص، بل للمواطن الذي يحق له خدمة محترفة وشفافة في كل المجالات، وعلى رأسها الرياضة. ما حدث في كأس العرب يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية، لا مجرد خبر يمر وينسى. المطلوب إصلاح جذري في طريقة تدبير الحقوق الرياضية، مراجعة شاملة للهيكلة الداخلية، وتأهيل فرق المفاوضات، مع تفعيل المحاسبة وتحديد المسؤوليات.
في النهاية، بينما يواصل المنتخب المغربي تألقه داخل الملعب، يبقى الجمهور في الخارج ضحية غياب رؤية إعلامية حقيقية. كأس العرب 2025 لم تكن مجرد بطولة، بل اختباراً حقيقياً للإعلام العمومي… اختبار سقط فيه تلفزيون العرايشي سقوطاً مدوياً













