في السنوات الأخيرة، أصبحت بعض التظاهرات الرياضية والثقافية تستدعي صنّاع محتوى لا يملكون أي خلفية مهنية، وتمنحهم امتيازات واسعة داخل فضاءات يفترض أن تكون مخصصة للصحفيين المعتمدين. هذا التحول فتح باب الفوضى، وحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات لاقتناص اللحظات الوطنية وتحويلها إلى محتوى للربح السريع.
المشهد الذي تابعناه مؤخرًا في إحدى مباريات كأس العرب بقطر، حين ظهر أحد اليوتيوبرز يؤدي النشيد الوطني بطريقة استعراضية بحثًا عن التراند، شكّل صدمة حقيقية. لحظة وطنية مقدسة تحوّلت إلى عرض مجاني، فقط لأن الجهات المنظمة فتحت الباب لمن لا يملك أي مسؤولية مهنية.
هنا يبرز السؤال المنطقي: من يستدعي هؤلاء؟ ومن يمنحهم هذا الشرف الذي لا يحظى به الصحفي المحترف؟
امتيازات تُمنح بلا معايير واضحة
منح بطاقات ولوج، نقاط تصوير مميزة، لقاءات مع اللاعبين والمسؤولين… كلها privileges تمنحها جهات تنظيمية أو مكلفة بالإعلام داخل التظاهرات، دون اعتماد معايير مهنية أو تقييم لمحتوى هؤلاء المدعوين. في المقابل، يجد الصحفي المهني—الذي يمثل مؤسسته ويحمل بطاقة رسمية—نفسه بعيدًا عن مواقع التصوير والتحليل والتغطية.
المفارقة أن بعض هؤلاء اليوتيوبرز لا يقدمون محتوى إعلاميًا، ولا يحترمون السياقات الرسمية، ومع ذلك تتم دعوتهم وكأنهم “سفراء للمحتوى الرقمي”.
صورة الحدث في خطر
حين يصبح الهدف من الحضور هو جمع لايكات بدلاً من نقل الحقيقة أو تحليل الحدث، تتحول التظاهرات الكبرى إلى مساحة لاستعراضات سطحية. بدل إبراز قيمة التنظيم أو الجوانب الرياضية والفنية، نجد أنفسنا أمام لقطات مفتعلة، وصراخ، وبحث محموم عن الشهرة.
الأحداث الرياضية ليست خلفية لفيديوهات تافهة. إنها واجهة دولية تمثل البلد، ومن غير المقبول أن تُسلم صورتها لمن لا يملك الحد الأدنى من المهنية
شرف التمثيل لا يُمنح اعتباطًا
الجهات الداعية تتحمل مسؤولية مباشرة في منح شرف التمثيل لمن لا يستحق. فدخول تظاهرة رسمية، أو منطقة صحفية، أو منصة معتمدة يجب أن يكون مرتبطًا بمهام إعلامية واضحة، وليس برغبة شخص في تصوير نفسه وهو يردد النشيد الوطني أمام الجمهور.
تمثيل الوطن شرف، وليس بطاقة مجانية تمنح لكل من يملك كاميرا.
بين دعم المواهب… وحماية صورة الوطن
لا أحد يرفض دعم الشباب أو تشجيع المحتوى الرقمي. لكن الدعم شيء، ومنح امتيازات رسمية دون ضوابط شيء آخر. المطلوب اليوم من الجهات التي توجه الدعوات أو تدير التظاهرات وضع شروط واضحة:
• دعوة من يقدم محتوى مهني ومحترم
• تقييم المحتوى قبل منح بطاقة التغطية
• احترام قدسية الرموز الوطنية
• إعطاء الأولوية للصحفيين المعتمدين
هذا هو السبيل لحماية صورة البلد ومنع تحويل الفضاءات الرسمية إلى مسرح للعبث.
اليوتيوبرز الذين يسيئون للرموز الوطنية ليسوا المشكلة بقدر ما هي الجهات التي تستدعيهم وتمنحهم امتيازات فوق قدراتهم ومسؤولياتهم. حماية صورة الوطن تبدأ من حسن اختيار من يمثلونه، ومن وضع معايير مهنية واضحة لمن يدخل فضاءات التغطية الإعلامية.
الحدث الرياضي ليس منصة للتراند… والشرف لا يُمنح لمن لا يعرف قيمته













