ما وقع مساء أمس بمدينة الدار البيضاء من أحداث شغب، وما أعقبه من اعتقال أزيد من أربعة عشر شابًا، ليس مجرد حادث عرضي يمكن تجاوزه بسهولة، بل مؤشر مقلق على اختلال في الوعي الرياضي، يظهر في لحظة دقيقة لا تفصلنا فيها سوى أيام عن انطلاق كأس إفريقيا للأمم بالمغرب.
في مثل هذه المواعيد، لا يُقاس استعداد البلد فقط بجاهزية الملاعب والبنية التحتية، بل أيضًا بسلوك جماهيره، وقدرتها على تمثيل صورة وطن اختار أن يكون في واجهة الأحداث القارية. وما حدث يفرض سؤالًا صريحًا: هل نُدرك فعلًا حجم المسؤولية الملقاة علينا داخل المدرجات وخارجها؟
هذا السلوك لا ينفصل عن مناخ عام بات يرى في كل نقد “استهدافًا”، وفي كل ملاحظة مهنية “عداءً”. وهو مناخ تغذّيه قراءات انفعالية للعمل الصحفي، تُحوّل المقال الإصلاحي إلى موقف معادٍ، بدل اعتباره مساهمة في تصحيح المسار.
الصحافة ليست طرفًا في الصراع، ولا منافسًا للأندية، ولا صوتًا ضد الجماهير. دورها هو الإخبار، التحليل، ثم النقد حين تفرض الوقائع ذلك. والنقد المهني، حين يستند إلى معطيات واضحة، لا يهدف إلى الإساءة، بل إلى التنبيه، لأن الفريق الذي لا يُنتقد لا يتطور، والمنظومة التي لا تُساءل لا تُصلِح أخطاءها.
حين تكتب الصحافة عن اختلالات في التسيير، أو عن أداء متراجع، أو عن قرارات غير موفقة، فهي لا تطعن في تاريخ الأندية ولا في انتماء جماهيرها، بل تمارس وظيفة أساسية من وظائف الإعلام. غير أن بعض ردود الفعل تختار أحيانًا مسارًا آخر، يتجاوز النقاش إلى الانفعال.
وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الخلاف حين يغادر مساحة الرأي، ويتحول إلى سلوك في الشارع، تكون نتائجه مكلفة على الجميع: جماهير، أندية، وصورة كرة القدم الوطنية، خاصة في ظرف حساس يستوجب الهدوء والحكمة.
قبل أيام من انطلاق كأس إفريقيا، لسنا في حاجة إلى جمهور غاضب، بل إلى جمهور واعٍ، يميّز بين النقد والتهجّم، بين الاختلاف والإساءة، وبين الدفاع عن الفريق وحماية الخطأ.
الفرق الكبرى لا تُبنى بالعاطفة وحدها، بل بالنقد، والمساءلة، والانضباط. والصحافة، حين تقوم بدورها بمسؤولية، لا تكون عبئًا على الأندية، بل جزءًا من منظومة الإصلاح.
الرهان اليوم ليس فقط رياضيًا، بل سلوكيًا وثقافيًا.













