بينما تعيش الجماهير المغربية هذه الأيام على إيقاع العرس الكروي مع انطلاق كأس الأمم الإفريقية على أرض المغرب تتزين المدن بالأعلام وتشتعل الشوارع بالحماس وتتحول المباريات إلى لحظات فرح جماعي تجمع الناس على نبض واحد غير أن هذا المشهد المضيء لا يمنع بروز أسئلة الإنصاف المجالي وعلى رأسها لماذا ما تزال مدينتا سطات وبرشيد بلا شاشات عملاقة تمكّن جمهورهما من عيش البطولة في فضاء منظم وآمن
حين تستضيف البلاد حدثا قاريا بهذا الحجم فإن الرهان لا يكون على الملاعب فقط بل على التجربة كاملة الاستقبال والتنظيم والأمن والخدمات والأهم إشراك المواطنين في الفرجة وهنا تبرز مفارقة واضحة مدن تعيش البطولة في الساحات والفضاءات المنظمة ومدن أخرى تتابع الحدث من داخل المقاهي المكتظة أو عبر متابعة فردية في البيوت وكأنها بعيدة عن العرس رغم أنها جزء من البلد المضيف
سطات مدينة جامعية وشبابية بامتياز وبرشيد بدورها مدينة تعرف دينامية شبابية ورياضية لافتة وتملك جمهوراً شغوفاً بكرة القدم وقادراً على تحويل أي فضاء عمومي إلى لوحة حضارية تشجيع واحتفال وانضباط وانتماء لكن غياب الشاشات العملاقة يجعل البطولة تمر على المدينتين بجرعة ناقصة لا ساحة كبرى تجمع الجمهور ولا نقطة فرجة رسمية ولا عنوان واضح يعيش فيه الناس لحظات البطولة بشكل جماعي ومنظم
ومع كل مباراة يتكرر نفس المشهد ضغط كبير على المقاهي واكتظاظ في بعض الأحياء وتوتر في حركة السير أحيانا ليس لأن الجمهور يبحث عن الفوضى بل لأن البديل المنظم غير متوفر وهنا يتحول الغياب من مسألة ترف إلى مسألة تدبير لأن الشاشة العملاقة ليست فقط للفرجة بل أداة تنظيم تجمع الجمهور في نقطة واحدة قابلة للتأمين وتخفف الضغط عن الفضاءات الضيقة وتضمن حضور الإسعاف والنظافة وتسمح بتوجيه الحماس نحو احتفال حضاري بدل تجمعات عفوية غير مضبوطة
وفي هذا السياق يبرز دور السلطات السلطانية ممثلة في العمالات والسلطات المحلية والأمن الوطني والدرك والوقاية المدنية باعتبارها شريكا أساسيا في إنجاح أي مبادرة من هذا النوع ليس فقط عبر التأمين بل عبر التنسيق القبلي وتحديد الفضاءات المناسبة وضمان شروط السلامة وتنظيم الولوجيات وإدارة التدفقات البشرية وتوفير التدخل السريع عند الحاجة لأن الهدف ليس منع الفرح بل تأطيره حتى يظل حضاريا ويعكس صورة المدينتين والبلد في ظرفية قارية حساسة
قد يعتقد البعض أن الشاشات العملاقة كماليات لكن الواقع يثبت أنها جزء من إدارة الفضاء العام خلال الأحداث الكبرى فهي تمنح المدينتين صورة إيجابية وتخلق مسارا واضحا للتجمع وتفتح الباب أمام شراكات محلية مع القطاع الخاص كما تتيح للجماعات والفاعلين تنظيم تظاهرة بسيطة لكنها مؤثرة في نفسية الجمهور وفي هوية المنطقة أثناء البطولة
المطلوب اليوم في سطات وبرشيد واضح ويمكن تحقيقه بسرعة إذا توفرت الإرادة تخصيص فضاء عمومي مناسب وفتح منطقة فرجة ولو بحجم متوسط توفير شاشة واحدة على الأقل مع تجهيزات أساسية تنظيم محيط الفضاء عبر مخارج واضحة وإنارة وخدمات نظافة ونقطة إسعاف وتأمين مناسب ثم تواصل رسمي يوضح للناس أين يتجمعون وكيف يحافظون على النظام مع تنسيق مباشر مع السلطات السلطانية حتى تكون العملية محكمة من البداية إلى النهاية لأن الجمهور حين يُحترم ويُؤطَّر يقدّم أفضل صورة عن مدينته
نحن فعلا في العرس الكروي الإفريقي والمغرب أمام لحظة تاريخية على مستوى الاستضافة والاحتفال لكن نجاح الحدث لا يكتمل ما لم يصل الفرح إلى كل المدن ومنها سطات وبرشيد لأن كرة القدم عندما تصبح احتفالا وطنيا يجب أن تكون الفرجة حقا للجميع













