في كأس الأمم الإفريقية لا تُلعب المباريات داخل المستطيل الأخضر فقط بل تُلعب أيضًا فوق الشاشات وفي العناوين وفي طريقة سرد الحدث لأن هذه البطولة ليست مجرد منافسة رياضية بل واجهة للقارة كلها واختبار لمدى نضج الإعلام وقدرته على نقل الفرح دون أن يحوّله إلى خصومة
الإعلام النزيه خلال كأس إفريقيا هو الذي يضع الخبر في مكانه الطبيعي ويُميّز بين المعلومة والرأي ويُقدّم للجمهور قراءة متوازنة لا تبيع الوهم ولا تُغذّي التوتر فالمنتخبات قد تتنافس بقوة وقد تشتد المباريات وقد تظهر أخطاء تحكيمية أو تنظيمية هنا وهناك لكن مسؤولية الإعلام أن يشرح ويُحلّل لا أن يُحرّض ولا أن يبني روايات جاهزة تُصادر عقل المشاهد
ومع ارتفاع حرارة المنافسة تظهر في بعض التغطيات خارج البلد المضيف نزعة غير صحية تقوم على الشك المسبق والانتقاء المتعمد للقطات المثيرة وتضخيم الجزئيات على حساب الصورة العامة وهنا بالتحديد يُتداول حديث كثير عن بعض الأصوات في الإعلام التونسي والجزائري أو بعض البرامج والصفحات التي تقترب من كأس إفريقيا بمنطق عدم الموضوعية فتُحوّل كل قرار تحكيمي إلى “مؤامرة” وكل تفوق رياضي إلى “تفضيل” وكل نجاح تنظيمي إلى “تلميع” وكأن البطولة لا يمكن أن تُقرأ إلا عبر نظارات التوتر
المشكل في هذا الأسلوب ليس أنه ينتقد لأن النقد حق طبيعي بل لأنه يرفض القاعدة الأساسية في الصحافة وهي التحقق والتوازن فيُقدّم الانطباع كأنه حقيقة ويختزل مباراة كاملة في لقطة جدلية ويُسقط على البطولة صراعات قديمة لا علاقة لها بالرياضة فيتحول الجمهور إلى وقود للتعصب بدل أن يكون شريكا في المتعة
ومع ذلك من الضروري عدم التعميم لأن داخل الإعلام التونسي والجزائري أيضا أصوات مهنية تحترم القواعد وتُقدّم تغطية رصينة وتُنصف الخصم قبل الصديق وتُدرك أن كأس إفريقيا لحظة إفريقية مشتركة وليست منصة لتصفية الحسابات الرمزية بين البلدان وهذه الأصوات هي التي يجب أن تُرفع ويُحتذى بها لأنها تمثل الوجه الحقيقي للمهنة
في كأس إفريقيا تتأكد قاعدة بسيطة الإعلام القوي ليس من يصرخ أكثر بل من يشرح أفضل ليس من يصنع العدو بل من يصنع الفهم ليس من يحشد الغضب بل من يحمي قيم المنافسة والروح الرياضية فحين يلتزم الإعلام بالنزاهة يصبح جزءا من نجاح البطولة وحين ينزلق إلى عدم الموضوعية يصبح جزءا من الفوضى المعنوية التي تضر بالجميع
كأس إفريقيا مناسبة لكي تنتصر الكرة وتنتصر معها أخلاق المنافسة وإذا كان اللاعبون يُختبرون في الضغط داخل الملعب فإن الإعلاميين يُختبرون في الضغط خارج الملعب هل يختارون المهنية أم يختارون الاستقطاب وهل يكتبون من أجل الحقيقة أم من أجل الضجيج.













