لم يعد الحديث عن “الرهان على الشباب” مجرد عبارة تُقال في لحظات الحماس، بل صار عنوانًا لمرحلة تحتاجها كرة القدم الوطنية بإلحاح. فالتجارب القريبة والبعيدة تؤكد حقيقة بسيطة: المنتخبات التي تمنح الثقة لجيلها الصاعد مبكرًا، هي نفسها التي تحصد الألقاب لاحقًا.
لقد قدّم الشباب الذين حملوا كأس العرب نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يصنعه الإيمان بالمواهب حين تُمنح الفرصة في التوقيت الصحيح. لم يكونوا مجرد أسماء جاءت لسد الخصاص، بل ظهروا بروح تنافسية عالية، وشخصية قوية أمام الضغط، وقدرة على تمثيل القميص الوطني بكامل المسؤولية. وهذا بالضبط ما يجعل “الثقة” ليست مكافأة تُمنح بعد التتويج، بل شرطًا أساسيًا للوصول إليه.
وعند استحضار تجارب المنتخبات التي اعتلت منصة كأس العالم عبر التاريخ، يتكرر نفس الدرس: لا يوجد تتويج عالمي بلا مشروع طويل النفس، ولا مشروع قوي دون الاستثمار في الشباب. فالأبطال العالميون لا يُصنعون في أسبوع أو بطولة واحدة، بل عبر تراكم دقائق اللعب، واستمرارية الاختيار، واستقرار الرؤية التقنية، وحماية اللاعبين من منطق “الاختبار ثم الإقصاء” الذي يقتل التطور قبل أن يبدأ.
إن وضع الثقة في الشباب الذين توّجوا بكأس العرب هو واجب رياضي قبل أن يكون خيارًا تقنيًا، لأن التتويج لا ينبغي أن يتحول إلى لحظة عابرة تُستهلك إعلاميًا ثم تُطوى. هؤلاء اللاعبون يحتاجون إلى مسار واضح داخل المنتخب الأول، وبرنامج إدماج تدريجي، ومنافسة عادلة تضمن استحقاق القميص دون مجاملة، وتمنح في الوقت نفسه حق التطور دون ضغط “النتيجة الفورية” الذي يفرض الإعدام على أي تجربة جديدة.
المرحلة المقبلة تتطلب قرارًا واضحًا: إما أن نؤسس لثقافة “الثقة قبل التتويج” ونبني منتخبًا قويًا على المدى المتوسط والبعيد، أو نواصل سياسة ردود الفعل التي تُضيّع الأجيال وتعيدنا في كل مرة إلى نقطة الصفر. فالشباب الذين رفعوا كأس العرب بعزيمة الرجال، يستحقون أن يتحولوا إلى نواة مشروع أكبر… مشروع لا يتوقف عند لقب، بل يطارد حلمًا أعلى: أن تصبح الانتصارات عادة، وأن يقترب الحلم العالمي خطوة بعد خطوة، بعقل بارد وثقة لا تهتز.













