باشرت مصالح الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بتعليمات من النيابة العامة بالدار البيضاء، إجراءات بحث واستماع همّت عدداً من “المؤثرات” و”المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي، للاشتباه في تورطهم في الترويج لوصلات إشهارية لفائدة شركات قمار ورهانات أجنبية غير مرخّصة داخل المغرب، في ملف يعيد إلى الواجهة أسئلة ملحّة حول مسؤولية الإعلان الرقمي، وحماية المستهلك، وحدود “التأثير” عندما يتحول إلى قناة تسويق لأنشطة عالية الحساسية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن دائرة الاستماع شملت، في مرحلة أولى، عشرات الأسماء، وسط توقعات باتساع نطاق الأبحاث تبعاً لما ستكشفه مسارات التتبع الرقمي والاتصالات التجارية والمالية المرتبطة بهذا النوع من الإعلانات، خصوصاً في ظل اعتماد منصات الرهانات على آليات تسويق سريعة تعتمد “الأكواد” وروابط الإحالة والعمولات، وإغراء الجمهور بوعود الربح السهل.
شكاية من الفاعل المرخّص واتهام بـ“استقطاب” زبائن مغاربة
وبحسب المعطيات التي تم تداولها، فإن تحريك هذا الملف جاء على خلفية شكاية تقدمت بها الشركة المغربية للألعاب والرياضة، باعتبارها فاعلاً مختصاً في مجال الرهانات الرياضية داخل الإطار المنظم وطنياً، معتبرة أن منصات أجنبية تستهدف زبائن مغاربة عبر مؤثرين، وتنافس خارج الضوابط القانونية، بما يطرح إشكاليات تتعلق بشرعية النشاط، وحماية المشاركين، ومسارات تحويل الأموال، وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية.
من “ستوري” إلى شبهة.. متى يصبح المحتوى فعلاً مُجرَّماً؟
لا يتوقف جوهر القضية عند نشر رابط أو إعلان عابر، بل عند طبيعة النشاط المُروَّج له، وهل هو مرخص أم لا، ثم طبيعة العلاقة التجارية التي تربط المؤثر بالمنصة: هل الأمر مجرد “إشهار” مدفوع؟ أم شراكة تسويق بالعمولة؟ وهل تم التصريح بطبيعة الإعلان بشكل واضح للجمهور؟ هذه الأسئلة تعيد رسم الحد الفاصل بين حرية صناعة المحتوى وبين المسؤولية القانونية عند الترويج لأنشطة قد تكون محظورة أو غير منظمة.
فالمنصات الأجنبية للرهانات تعتمد عادة خطاباً تسويقياً شديد الجاذبية: “جرّب حظك”، “اربح بسرعة”، “بونص تسجيل”، “مباريات اليوم”… وهي رسائل تختلط فيها المتعة بالمخاطرة، وقد تستهدف فئات شابة أو هشة اقتصادياً، ما يجعل تأثيرها الاجتماعي أكبر من مجرد إعلان عادي لمنتج استهلاكي.
أبعاد اجتماعية واقتصادية: حماية المستهلك أولاً
إلى جانب البعد القانوني، يثير الملف مخاوف مرتبطة بتوسع المقامرة الرقمية خارج أي إطار مراقبة فعلي: مخاطر الإدمان، الاستدانة، النزاعات حول سحب الأرباح، استغلال المعطيات الشخصية، وغياب آليات إنصاف واضحة للمستهلك في حال وقوع مشاكل مع منصة توجد خارج الولاية القانونية الوطنية. كما تبرز تساؤلات حول “تبييض” الصورة عبر المؤثرين، الذين يمنحون هذه المنصات شرعية اجتماعية رمزية، حتى وإن كانت بلا ترخيص.
المؤثرون تحت المجهر.. والقطاع أمام منعطف تنظيمي
اللافت في هذا الملف أنه يضع صناعة “التأثير” أمام منعطف جديد: فالمؤثر لم يعد مجرد صانع محتوى، بل أصبح وسيطاً إعلانياً يتعامل مع قطاعات حساسة (مال، صحة، مراهنات، استثمارات)، ما يفرض معايير أكثر صرامة: التحقق من الترخيص، توضيح الطابع الإشهاري، احترام القواعد المهنية، والتثبت من طبيعة الجهة المُعلَن عنها قبل الترويج لها.
وفي المقابل، يرى متابعون أن هذا النوع من القضايا قد يدفع نحو تشديد الرقابة على الإعلانات الرقمية عموماً، وتطوير آليات تتبع المحتوى الممول، وتحديث قواعد تنظيم الإشهار على المنصات الاجتماعية، بما يضمن المنافسة العادلة ويحمي الجمهور من الإغراءات غير المحسوبة.
بين قرينة البراءة وصرامة القانون
ومع اتساع النقاش العمومي، يبقى التأكيد ضرورياً على أن إجراءات الاستماع والبحث لا تعني الإدانة، إذ تظل القضية في إطار التحقيق لتحديد الوقائع والمسؤوليات والارتباطات التجارية المحتملة، قبل أن تقول العدالة كلمتها وفقاً للقانون والمساطر المعمول بها.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري مجرد “خبر عابر”، بل مؤشر على بداية مرحلة جديدة تُسائل اقتصاد المنصات، وتضع الإعلان الرقمي تحت سقف المساءلة، وتذكر بأن التأثير حين يتحول إلى “تسويق” يصبح ملزماً—أخلاقياً وقانونياً—بقدر أكبر من الانضباط والشفافية.













