تتجه أنظار القارة الإفريقية إلى الرباط، حيث يقف منتخب المغرب على أعتاب واحدة من أكثر مواجهاته تعقيدًا في كأس أمم إفريقيا، حين يصطدم بمنتخب الكاميرون في ربع النهائي، في مباراة تختصر صراع الحاضر مع إرث ثقيل من الماضي، وتضع الحلم المغربي أمام اختبار حقيقي على أرضه وبين جماهيره.
المنتخب المغربي يدخل المواجهة مدفوعًا بحملة ثابتة ومقنعة في البطولة المقامة على ملاعبه، باحثًا عن بلوغ نصف النهائي للمرة الأولى منذ ما يقرب من 22 عامًا، وعن الاقتراب خطوة إضافية من اللقب القاري الغائب منذ تتويج 1976. سبع نقاط في دور المجموعات، صدارة مستحقة، ثم عبور صعب أمام تنزانيا في ثمن النهائي، كلها مؤشرات على فريق يعرف طريقه نحو الانتصار حتى وإن لم يكن الأداء في أقصى توهجه.
في المقابل، يحضر منتخب الكاميرون بثقله التاريخي وخبرته الكبيرة في المواعيد الكبرى. خمسة ألقاب قارية، وسجل حافل في الأدوار الإقصائية، ومعدل انتصارات مرتفع في مباريات خروج المغلوب، تجعل “الأسود غير المروّضة” خصمًا لا يعترف كثيرًا بعامل الأرض والجمهور. الكاميرون أكدت جديتها في البطولة بتأهل قوي من مجموعة صعبة، ثم فوز ثمين على جنوب إفريقيا، لتواصل حضورها الدائم في ربع النهائي للمرة الحادية عشرة.
المباراة تحمل بين طياتها أكثر من مجرد بطاقة تأهل. فالمغرب يواجه عقدة تاريخية أمام الكاميرون في كأس الأمم الإفريقية، إذ لم يسبق له الفوز عليها في البطولة رغم ثلاث مواجهات سابقة انتهت بتعادل وخسارتين، أبرزها نصف نهائي 1988 الذي لا يزال حاضرًا في ذاكرة الجماهير المغربية. ورغم أن الميزان العام للمواجهات يميل بوضوح لصالح الكاميرون، فإن المنتخب المغربي كسر هذا الحاجز في السنوات الأخيرة، وحقق انتصارات معنوية أعادت التوازن النفسي قبل هذا الموعد الحاسم.
فنيًا، يعوّل وليد الركراكي على براغماتيته المعهودة، مؤكدًا أن النتيجة تبقى الأهم في بطولة لا ترحم، حتى لو جاء الأداء أقل من التوقعات. الدفاع المغربي أظهر صلابة لافتة في النسخة الحالية، بعدما خرج بشباك نظيفة في ثلاث مباريات، معادلاً أفضل سجل له منذ 2004، وهو ما يمنح الفريق ثقة إضافية قبل مواجهة هجوم كاميروني لا يحتاج سوى نصف فرصة ليصنع الفارق.
هجوميًا، يبرز إبراهيم دياز كأحد أهم نجوم البطولة، بعدما سجل في جميع مباريات المغرب الأربع، محققًا رقمًا غير مسبوق في تاريخ المنتخب في أمم إفريقيا. نجم ريال مدريد يقود قائمة الهدافين، ويشكّل مع أيوب الكعبي ثنائيًا يمنح المغرب تنوعًا وقوة في الثلث الأخير، في وقت تتوزع فيه أهداف الفريق بشكل يعكس جماعية الأداء.
أما الكاميرون، فتملك سجلًا مرعبًا أمام منتخبات الدول المستضيفة، وخبرة طويلة في إدارة مباريات ربع النهائي، حيث نادرًا ما تغادر البطولة مبكرًا. المنتخب الكاميروني يعرف كيف يلعب تحت الضغط، وكيف يحسم المباريات الصعبة سواء في الوقت الأصلي أو عبر التفاصيل الصغيرة التي تصنع البطولات.
بين طموح مغربي مشروع في كتابة فصل جديد من التاريخ، وخبرة كاميرونية اعتادت السير عكس أحلام الآخرين، تبدو المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات. هي مباراة قد تُحسم بهدف واحد، أو بلقطة فردية، أو بلحظة صمود دفاعي، لكنها بالتأكيد ستكون واحدة من أكثر ليالي البطولة سخونة وإثارة.
الفائز من هذه القمة سيخطو بثبات نحو المربع الذهبي، حيث ينتظره تحدٍ جديد أمام الفائز من مواجهة نيجيريا والجزائر، لكن قبل التفكير في الخطوة التالية، يبقى على المغرب أن يواجه ماضيه… وعلى الكاميرون أن تدافع عن هيبتها. وفي مثل هذه الليالي، لا مكان للتاريخ إلا إذا صُنع من جديد.
عبد الله بنصاك













