أثار استقبال بعض المؤثرين الأجانب في البهو الشرفي للمطارات المغربية، ومن بينهم المؤثر الشهير IShowSpeed، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الإعلامية والرأي العام. جدلٌ لا يرتبط بشخص بعينه، بقدر ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى هذا النوع من الاستقبال، والرسائل الرمزية التي يحملها، خاصة حين يتجاوز البروتوكول المعتاد ليشمل منح رموز وطنية، من قبيل القميص الرسمي للمنتخب الوطني.
رمزية البهو الشرفي… لمن تُمنح؟
البهو الشرفي ليس فضاءً عاديًا داخل المطارات؛ بل هو رمز سيادي خُصص تاريخيًا لاستقبال رؤساء الدول، الشخصيات الرسمية، والوفود التي لها وزن دبلوماسي أو ثقافي أو اقتصادي واضح. وعندما يُفتح هذا الفضاء أمام مؤثرين لا تجمعهم بالمغرب علاقة مؤسساتية أو إسهام فعلي في قضاياه، فإن الأمر يتحول من مجرد ترحيب إلى إعادة تعريف غير معلنة لمعايير التقدير والاعتراف.
القميص الوطني… رمز يتجاوز المجاملة
القميص الوطني ليس هدية بروتوكولية عادية؛ إنه اختزال لتاريخ كروي، وتضحيات أجيال من اللاعبين، ومشاعر شعب بأكمله. منحه يجب أن يكون فعل اعتراف بمسار أو مساهمة أو موقف داعم، لا مجرد أداة للتسويق اللحظي أو ملاحقة “الترند”. فهل قدّم هؤلاء المؤثرون قيمة مضافة حقيقية لكرة القدم الوطنية أو لصورة المغرب؟ وهل توازي مساهماتهم وزن هذا الرمز؟
من هو المخاطَب؟
السؤال الأعمق هو: من نخاطب بهذا السلوك؟
هل نخاطب الجمهور المغربي الذي يعتز بتاريخه العريق وهويته المتجذرة؟ أم نخاطب منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها؟ إن الإفراط في الاحتفاء بشخصيات عابرة، على حساب كفاءات وطنية راكمت العطاء في الرياضة والثقافة والفن والعلم، يبعث برسالة مربكة مفادها أن الشهرة الرقمية قد تتقدم على الاستحقاق الحقيقي.
بين الانفتاح والتبخيس
لا أحد يجادل في أهمية الانفتاح على العالم، ولا في توظيف المؤثرين ضمن استراتيجيات تواصل حديثة، لكن ذلك ينبغي أن يتم ضمن رؤية واضحة وحدود رمزية محسوبة. فالدول التي تحترم تاريخها لا تخلط بين التسويق والهيبة، ولا تُفرّغ رموزها من معناها تحت ضغط اللحظة.
خلاصة
المغرب بلد حضارة ضاربة في القدم، ورصيده الرمزي أكبر من أن يُدار بمنطق “اللقطة السريعة”. المطلوب ليس إغلاق الأبواب، بل ترشيد معايير الاستقبال والتكريم، وصون الرموز الوطنية من الابتذال، حتى يبقى التكريم عنوانًا للاستحقاق، لا مجرد صدى لضجيج عابر.













