لم يكن خبرُ إعادة مباراة اتحاد تواركة والرجاء الرياضي إلى مكانها الأصلي كافيًا لإغلاق ملفٍ أزعج الرأي العام الرياضي، لأن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في “تصحيح” المسار، بل في الطريقة التي صُنع بها القرار أولًا، ثم التراجع عنه ثانيًا تحت وقع الضغط والانتقادات. فالقرارات التي تُتخذ في لحظة ارتباك، ثم تُعاد صياغتها بعد موجة غضب، تُرسّخ لدى المتابعين انطباعًا خطيرًا: أن التدبير لا يتحرك بمنطق الحكامة، بل بمنطق ردّ الفعل.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبحدة: لماذا لا تُتخذ القرارات السليمة والعقلانية من تلقاء نفسها؟ لماذا ننتظر دائمًا “العاصفة” حتى يظهر صوت الحكمة؟ في بطولة تُقدَّم للرأي العام باعتبارها مشروع احتراف، لا ينبغي أن تتحول البرمجة والتنقلات والملعب واللوجستيك إلى مساحات تجريب، ولا أن تصبح الأندية والجماهير رهينة قرارات قابلة للتبديل حسب المزاج العام أو ميزان الضغط.
الاحتراف ليس شعارًا يُرفع عند الواجهة ثم يتعثر في التفاصيل. الاحتراف يعني أن لكل قرار مسطرة واضحة، ومبررات منشورة، ومعايير ثابتة تُطبق على الجميع دون استثناء. ويعني أيضًا أن المؤسسة المسؤولة عن تنظيم المنافسة، حين تُخطئ، لا تكتفي بالتراجع الصامت أو التبرير المتأخر، بل تُقدّم تفسيرًا شفافًا للرأي العام: ما الذي حدث؟ من اقترح؟ من صادق؟ ولماذا تم التراجع؟ لأن الغموض هو الوقود الأول لفقدان الثقة، وفقدان الثقة أخطر من أي خطأ تقني في البرمجة.
إن عودة المباراة إلى مكانها الأصلي خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تظل “حلًا متأخرًا” لا يعالج المرض الحقيقي: الارتباك في اتخاذ القرار، وضعف التواصل، وغياب الإحساس بأن البطولة ملكٌ للمنظومة كلها وليست ملفًا إداريًا يُدار بمنطق “نجرب ونرى”. فحين يشعر النادي أنه ضحية قرار غير مفهوم، وحين يشعر الجمهور أن رأيه لا يُسمع إلا بالصراخ، يصبح الدوري في مواجهة أزمة ثقة بدل أن يكون في سباق تطوير.
اليوم، ومع استئناف أجواء الدوري الاحترافي بعد فترة ثقيلة عاشتها الكرة الوطنية قبل انطلاق كأس إفريقيا، يتطلع الجميع إلى عودة موفقة وهادئة، عودةٍ تُعيد الاعتبار للملعب كفضاء تنافسي لا كعنوان للجدل، وتعيد الاعتبار للمؤسسات كمرجع للحكامة لا كهدف للانتقاد. فالمطلوب ليس فقط أن نعود إلى اللعب، بل أن نعود إلى منطق واضح: قرارات محسوبة، تواصل مسؤول، واحترام كامل لحق الأندية والجماهير في فهم ما يحدث.
الدوري الاحترافي يحتاج اليوم إلى الهدوء… لكنه يحتاج أكثر إلى الصرامة في التدبير. لأن البطولة لا تُدار بالانفعال، ولا تُنقذها “التراجعات”، بل ينقذها قرارٌ عقلاني يُتخذ في وقته، وبشجاعة، وبالمسؤولية التي تليق بسمعة كرة قدم وطنٍ يراهن على الاحتراف حقيقةً لا عنوانًا.













