من العار والعيب… نعم. لأن “مقرّ الكاف” ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل هو غرفة التحكّم التي تُصاغ فيها القرارات، وتُسَوَّق فيها الروايات، وتُدار فيها المعارك الرمزية قبل أن تُدار على العشب. ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يجب الهروب منه: أين الصحافة بعين المكان؟ ومن المسؤول عن غياب بعثة تغطية رسمية إلى مقرّ الكاف؟
في لحظة احتاج فيها المغرب إلى صوتٍ صحفيّ حاضرٍ ومُسلّحٍ بالمعطى والسؤال، غاب المشهد المهني عن المكان الذي تُصنع فيه الأجوبة: لا منبر عمومي، ولا منبر خاص، ولا تغطيات احترافية تواكب ما يجري من كواليس واجتماعات وتصريحات ومداولات. الغريب ليس الغياب فقط، بل اعتياد الغياب… كأننا نكتفي بأن نكون “موضوعاً” في الأخبار لا “صانعين” لها.
والأشد مرارة أن الفراغ يُملأ دائماً… لكن ليس بالصحافة، بل بالـ“يوتوبراز” والضجيج السهل. أين أولئك الذين يملؤون المنصّات صراخاً حين يتعلق الأمر بلقطة من الملعب أو جدلٍ هامشي؟ أين “البث المباشر” عندما يكون المطلوب بثّ الحقيقة لا بثّ الانفعال؟ وأين نجوم الاستعراض الرقمي الذين يتقدّمون الصفوف في لحظات الاحتفال ويختفون في لحظات المحاسبة؟
ثم تأتي مفارقة “سبيد” وما شابهه من رموز الاستهلاك الإعلامي: ضيفٌ مُكلف، حاضرٌ في النهائي بأضواءٍ وحراسةٍ وهالة، بينما السؤال الحقيقي تُرك يتيماً بلا ميكروفون: ماذا ربحنا من تحويل التظاهرات الرياضية إلى منصّات للتلميع العابر، إذا كان صوتنا الرسمي والمهني غائباً من حيث تُتخذ القرارات؟ وما قيمة أن تُصرف الملايين على “مشهد” يُستهلك في دقائق، بينما الاستثمار في مراسلين محترفين، ومكاتب دائمة، وفرق تحرير تعرف كيف تسأل وتوثّق وتفضح وتُفاوض… يُترك للصدفة؟
القضية ليست حقداً على المؤثرين، ولا حرباً على اليوتيوب. من شاء أن يصنع محتواه فليفعل. لكن الكارثة حين نعطي “المؤثر” وزن الدولة، ونسحب من الصحافة وزنها الطبيعي. حين يصبح “الترند” بديلاً عن المعلومة، وتصبح “اللقطة” أهم من الوثيقة، ويصبح الصخب أقوى من السؤال.
المغرب، الذي قدّم في التنظيم والضيافة والأمن والبنية التحتية درساً قارياً، يستحق منظومة إعلامية بمستوى هذه الدولة. منظومة تعرف أن المعركة اليوم ليست فقط في الملعب، بل في سردية ما بعد المباراة: في تفسير العقوبات، وقراءة التقارير، ومواجهة التأويلات، وإحراج الخصوم بالأسئلة الدقيقة لا بالشعارات الغاضبة.
ومن غير المقبول أن نكتشف القرارات من تسريبات الآخرين، وأن ننتظر رواية الغير عنّا، ثم نكتفي بردود فعل متأخرة. هنا يطرح السؤال نفسه بوضوح أشد: من الجهة التي كان عليها أن تُنسّق وتُسهّل وتُنظّم رحلة تغطية إلى قلب المؤسسة القارية؟ من المسؤول عن أن يبقى الصحفي المغربي خارج الباب بينما “القرار” يُدار في الداخل؟ لأن الحديث عن “القطاف” لا يستقيم دون أدواته: لا قطاف بلا حضور، ولا حضور بلا اعتماد، ولا اعتماد بلا تنظيم وتخطيط ودعم لوجستي واضح.
المطلوب ليس ترفاً ولا مزاجاً، بل إجراء سيادي بسيط: مكتب صحفي مغربي دائم قرب مراكز القرار القاري، مراسلون معتمدون، شبكة علاقات، متابعة يومية لا موسمية، وتنسيق مهني بين المنابر لا تنافس تافه على “من يسبق العنوان”. لأن من لا يحضر حيث تُصنع القصة… سيُروى عنه ما يشاء الآخرون.
إذا كنا نعتبر الرياضة قضية وطن، فالإعلام جزء من السيادة. والسيادة لا تُدار بـ“لايكات”، ولا تُحمى بـ“ستوري”، ولا تُسترجع بثرثرة المقاهي الرقمية. السيادة تُحمى بمعلومة، بوثيقة، بسؤالٍ في الوقت المناسب… من قلب مقرّ الكاف، لا من هامش الصخب.













