لعب الأمن بكل مكوناته دورا مهما في كأس إفريقيا وهذا ما لا يلتقطه كثيرون لأن نجاح البطولات لا يقاس فقط بعدد الأهداف ولا بجمالية اللقطات بل بقدرة البلد المضيف على أن يجعل الملاعب والمدرجات والطرق والفنادق فضاءات آمنة ومريحة دون أن يشعر الجمهور بأن الفرح محاصر أو أن الاحتفال مراقب أكثر مما ينبغي
منذ صافرة البداية ظهر أن هناك اشتغالا أمنيا هادئا وذكيا يقوم على الحضور الوقائي قبل التدخل وعلى التنظيم قبل رد الفعل وعلى توزيع الأدوار بدل تكديس العناصر في نقطة واحدة فالأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية والاستخباراتية والوقاية المدنية اشتغلوا كمنظومة واحدة هدفها أن تمر المباريات في أجواء طبيعية وأن تتحول حركة آلاف المشجعين إلى مسارات مضبوطة بدل أن تكون موجات عشوائية
الذكاء في هذا الدور أنه لم يكن استعراضا للقوة بقدر ما كان إدارة للحدث لأن أكبر نجاح أمني هو أن لا يشعر الناس بالخوف وأن لا تتحول نقاط التفتيش إلى عرقلة وأن لا تتحول الجماهير إلى خصم بل إلى شريك فحين يكون الولوج سلسا وتكون المخارج واضحة وتكون المسارات محددة وتكون التدخلات سريعة وصامتة عند الحاجة يتحقق الهدف الحقيقي وهو حماية الفرجة دون قتلها
كما أن قيمة العمل الأمني برزت خارج الملعب بالقدر نفسه داخل الملعب تنظيم حركة السير حول الملاعب التحكم في الوقوف العشوائي تأمين محيط الفنادق ومراكز الإقامة حماية بعثات المنتخبات ووفود الاتحاد الإفريقي وتأمين مناطق تجمع الجماهير في بعض الساحات والمقاهي ومنع أي محاولات لاستغلال التجمعات في الشغب أو السرقة أو الاستفزاز وهي تفاصيل تبدو صغيرة لكنها هي التي تصنع صورة بلد مضيف أمام عدسات العالم
والأهم أن العمل الأمني في مثل هذه التظاهرات لا يشتغل وحده لأن الوقاية المدنية والخدمات الاستعجالية جزء من المعادلة حين تكون سيارات الإسعاف جاهزة ونقاط التدخل واضحة وأطقم الإسعاف قريبة من المدرجات يصبح الجمهور مطمئنا وتصبح المخاطر تحت السيطرة حتى قبل أن تتحول إلى حوادث
في النهاية يمكن القول إن الأمن بكل مكوناته كان لاعبا أساسيا في كأس إفريقيا لاعبا لا يظهر اسمه في لائحة المسجلين ولا يصفق له بعد المباراة لكنه يضمن أن تصل الجماهير إلى بيوتها بسلام وأن تبقى الملاعب فضاءات للفرح لا ساحات للتوتر وأن تخرج البطولة بصورة مشرّفة تؤكد أن المغرب لا ينجح فقط في تنظيم المنافسة بل ينجح في حماية لحظتها الجماعية بأعلى درجات الاحتراف والهدوء.













