بدأ النقاش حول “مناطق المشجعين” الخاصة بكأس إفريقيا من نقطة مالية صادمة: وفق معطيات متداولة داخل كواليس التحضير، كانت الكلفة التقديرية لبعض الفضاءات تصل إلى حدود 100 مليون درهم، قبل أن يتدخل صاحب القرار ـ بعد إبداء غضب واضح من الرقم المرتفع ـ ويوصي بتقليص السقف إلى 20 مليون درهم للمنصة الواحدة. وبين الرقمين، تتسع مساحة الأسئلة حول منطق الصرف، معايير التسعير، وحدود ما يجب أن تتحمله الميزانية العمومية وما يمكن أن يغطيه التمويل الخاص.
في الأصل، تُقدَّم مناطق المشجعين باعتبارها أداة تنظيمية: تجميع آمن للجماهير، شاشات عملاقة، صوت وإضاءة، مرافق وخدمات، وتخفيف الضغط عن محيط الملاعب. لكنها عملياً تتحول إلى مشروع مركّب يجمع “الفرجة” و”الإنتاج التقني” و”التنشيط الفني”، وهو ما يجعل فاتورتها قابلة للارتفاع بسرعة إذا غابت المقارنة بين العروض، أو اختلطت بنود التجهيز بالإنتاج، أو دخلت اعتبارات الصورة والبرستيج على حساب منطق “القيمة مقابل المال”.
المعطى الجديد في هذا الملف هو أن جزءاً من هذه الفضاءات لم يُموَّل بالكامل من المال العام، بل تكفّل به المُشهرون، خصوصاً شركات الاتصالات وشركات الطيران، في إطار رعاية وإشهار يهدف إلى ربط العلامة التجارية بالتجربة الجماهيرية الأكثر انتشاراً. من حيث المبدأ، هذا المسار يمكن أن يكون إيجابياً لأنه يخفف العبء على الميزانية العمومية ويُدخل القطاع الخاص في تمويل التظاهرات الكبرى. غير أن الإيجابي يتحول إلى إشكال إذا بقيت الحدود غير واضحة: ما الذي موّله المُشهر تحديداً؟ وهل التمويل كان نقدياً أم في شكل خدمات وتجهيزات؟ وما هي حقوق الاستغلال الإعلاني التي مُنحت مقابل ذلك؟ وهل تم احترام تكافؤ الفرص بين العلامات المنافسة وبين الجهات المنظمة؟
أما الفارق بين “100 مليون” و”20 مليون”، فهو ليس مجرد رقم، بل مؤشر على خلل محتمل في تقدير الكلفة أو في صياغة العروض أو في طريقة احتساب البنود. لأن منصة واحدة داخل فضاء مشجعين قد تعني أموراً مختلفة تماماً: هل الحديث عن منصة فنية فقط؟ أم عن فضاء متكامل بكل مكوناته من هيكلة معدنية، شاشات، وحدات صوت وإضاءة، تأمين، لوجستيك، بث، وتدبير للجمهور؟ غياب التعريف الدقيق لما تتضمنه “المنصة” هو ما يجعل الأرقام قابلة للتضخم، ثم قابلة للهبوط بقرار إداري سريع، دون أن يفهم الرأي العام أين كانت المبالغة وأين أصبحت الواقعية.
وتزداد حساسية الملف حين يرتبط الأمر بتعاقدات تشمل “العملة الصعبة” أو تجهيزات مستوردة أو خدمات تقنية من مزودين دوليين، لأن السؤال هنا لا يتعلق بالترفيه فقط، بل بتسرب العملة وبمدى استفادة المقاولات والكفاءات الوطنية من ورش بهذا الحجم. فإذا كان الهدف تنشيط جماهيري واسع، فإن تمكين المنتج المحلي من جزء أكبر من هذه الصفقات، مع سقوف واضحة ومعايير جودة صارمة، قد يحقق الأثر نفسه بكلفة أقل وبأثر اقتصادي محلي أقوى.
في المحصلة، القضية ليست في وجود مناطق المشجعين من عدمه، بل في الحكامة: كيف تُبنى الميزانيات؟ كيف تُفصّل دفاتر التحملات؟ كيف تُقارن العروض؟ وكيف يُفصل بين ما هو ضروري للسلامة والتنظيم وبين ما هو “زينة” قابلة للتقليص دون المساس بجوهر التجربة؟ ثم كيف يُعلن للرأي العام ـ بعد نهاية البطولة ـ تقرير واضح يجيب عن أسئلة بسيطة: كم كلف كل فضاء؟ من موّله؟ كم زائر استقبل؟ وما هو الأثر التجاري والاقتصادي المحلي؟
من حق الجمهور أن يفرح، ومن حق البلد أن يُظهر صورة تنظيمية قوية، لكن من حق المواطن أيضاً أن يفهم لماذا قفزت الأرقام إلى 100 مليون ثم هبطت إلى 20 مليون، وأن يعرف أين ينتهي المال العام وأين يبدأ تمويل المُشهرين. لأن النجاح الحقيقي لأي تظاهرة كبرى لا يُقاس فقط بالأغاني والأضواء، بل بقدرة المنظمين على جعل كل درهم قابلاً للتفسير… لا قابلاً للتأويل.













