شهدت الدار البيضاء، ليلة البارحة، على وقع أحداث مؤسفة تحوّلت فيها أجواء كرة القدم من فضاء للفرجة والحماس إلى مشاهد رعب وخوف وسط الساكنة، بعدما اندلعت مواجهات و“حرب شوارع” بين فصائل وجماهير محسوبة على فريق الرجاء الرياضي، في واقعة تعيد طرح السؤال المؤلم: كيف وصلنا إلى هذا الحد؟
بحسب ما تم تداوله ميدانياً وعلى منصات التواصل، لم تكن المسألة مجرد احتكاك عابر بين مجموعات من المشجعين، بل صدامات عنيفة اتخذت طابع “التصفية” بين أطراف يفترض أنها تنتمي لنفس الهوية الرياضية. ومع كل دقيقة من الفوضى، كانت المدينة تدفع الثمن: ذعر في الأحياء، خوف وسط العائلات، تعطّل لحركة السير، وعودة لغة العنف لتتقدم على لغة الانتماء.
الأخطر في هذه الأحداث ليس فقط حجم العنف، بل رمزيته أيضاً. أن تتحول المدرجات إلى “جبهات”، وأن يصبح الخلاف بين فصائل التشجيع سبباً في تهديد أمن المواطنين، فذلك يعني أننا أمام أزمة مركبة تتجاوز مباراة أو نتيجة، وتتصل بثقافة تتغذى على التحريض، والبحث عن “الهيمنة” داخل المدرجات وخارجها، والتنافس على الزعامة بدل التنافس على الإبداع في التشجيع.
الرجاء، كاسم كبير وتاريخ وجمهور واسع، أكبر من أن يُختزل في جماعات صغيرة تختار العنف طريقاً. والدار البيضاء، كمدينة تشتغل وتتنفس ليلاً ونهاراً، لا يمكن أن تظل رهينة لحظات انفلات تسرق منها حقها في الأمن والطمأنينة. هنا بالضبط يجب الفصل بوضوح بين “الجمهور” كقوة إيجابية تصنع الفرجة، وبين “البلطجة” التي ترتدي قميص النادي لتُمرر تخريبها وتُقنع نفسها أنها تُدافع عن اللون والشعار.
المطلوب اليوم ليس بيانات تبرير ولا خطابات عاطفية تُخدّر المشكلة، بل مقاربة حازمة وذكية في آن واحد: تطبيق القانون دون انتقائية، تحديد المسؤوليات الفردية والجماعية، تفكيك شبكات التحريض داخل وخارج الملاعب، وإعادة الاعتبار لثقافة التشجيع كفعل حضاري لا كساحة لتصفية الحسابات. كما أن على مكونات النادي، من إدارة ومحيط وجمعيات، أن ترفع صوتها بوضوح: الرجاء لا يحتاج “حروباً” بين أبنائه، بل يحتاج جمهوره ليكون سنداً في الملعب، لا تهديداً خارجه.
ليلة البارحة ليست خبراً عابراً. إنها إنذار صريح بأن العنف حين يُترك بلا ردع يتحول إلى عادة، وحين يصبح “مألوفاً” يسهل تكراره بأشكال أخطر. والدار البيضاء، قبل أي اعتبار رياضي، تستحق أن تنام آمنة، وأن تظل كرة القدم فيها فرجة… لا فوضى.













